جلال الدين السيوطي

9

حسن السمت في الصمت

وقواعد الكلام كثيرة , منها على سبيل المثال لا الحصر : ألا تتكلم إلا فيما يعنيك وتترك ما لا يعنيك , ولا تتكلم إلا عندما تٌستدعى إلى الكلام ولا تجيب إلا عندما تسأل , ولا تجيب إلا عن علم , فالسلف الصالح كانوا يميلون إلى السكوت لا إلى الكلام , بل منهم من كان يغضب عندما يسأله شخص عن مسألة هو - أي المسؤول - على علم بها , أما ما نراه اليوم من لغط الكلام وكثرته على علم وبدون علم وتعدى الناس اليوم وجرأتهم على كتاب الله وسنة نبيه , فهم يفتون في الدين بغير علم ويكذبون على رسول الله وينسبون إليه أقوالًا وأحاديث وفتاوى لم تثبت عنه , فليتبوءوا مقاعدهم من النار . كان السلف الصالح يخافون من الكلام والفتوى وهم على علم , ونحن نتكلم من غير علم - رحمنا الله وغفر لنا - ألا تعلم أنه إن كان السكوت في بعض الأحيان من الأشياء التي تندم عليها , فإن ندمك على الكلام سيكون أكبر وأعظم , بل إنك قد لا تندم على سكوتك وتندم على كلامك في كثير من الأحيان وجُلها . أما بالنسبة لطالب العلم فإن عليه أن يميل إلى السكوت أكثر من العامة , وعليه أن يتحلى بآداب الصمت وحسن السمت أكثر من غيره , " فأدب العلم أكثر من العلم " ( 1 ) أي أن تعلم السمت الصالح في العلم أفضل من تعلم العلم نفسه , فالسلف كانوا يتعلمون من شيوخهم هديهم قبل أن يأخذوا عنهم علمهم , فكانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا العلم عنه نظروا إلى صلاته وسمته وهيئته ثم يأخذون عنه فعن الأعمش - رضي الله عنه - . . . قال : " كانوا يتعلمون من الفقيه كل شيء حتى لباسه ونعليه " ( 2 )

--> ( 1 ) السفاريني في " غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب " ( 1 / 36 ) , ط : دار الكتب العلمية بيروت - لبنان . ( 2 ) " الآداب الشرعية في شرح منظومة الآداب " لابن مفلح المقدسي : ( 2 / 145 ) , تحقيق : شعيب الأرناؤوط وعمر القيام , طبعة : مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثالثة , 1419 ه‍ / 1999 م .